دراسة يابانية من جامعة توهوكو تُثبت أن قيادة السيارات اليدوية تُنشّط القشرة الأمامية في المخ المسؤولة عن الذاكرة والتركيز، في حين تظل شبه نائمة عند قيادة الأوتوماتيك.
طرنك أوتو – لم يعد "أنقذوا الغيار اليدوي" مجرد شعار عاطفي يرفعه عشاق السيارات، بل بات حجة علمية موثّقة. دراسة يابانية حديثة من جامعة توهوكو، نشرتها صحيفة Best Car Web المتخصصة في السيارات قبل أن تنتشر في العالمية، تُظهر أن الدماغ يعمل بشكل مختلف تماماً عند قيادة سيارة بغيار يدوي مقارنة بالأوتوماتيك، وهو الفارق الذي قد يكون له تداعيات على صحة الدماغ على المدى البعيد.
من هو الباحث وراء هذا الاكتشاف؟
البروفيسور ريوتا كاواشيما ليس اسماً غريباً على محبي ألعاب الفيديو. فهو المسؤول عن الإطار العلمي الذي بنت عليه نينتندو سلسلة ألعاب Brain Age الشهيرة، التي وعدت بتدريب الدماغ كما يُدرَّب أي عضلة في الجسم. كاواشيما يشغل حالياً منصب أستاذ في معهد التطوير والشيخوخة والسرطان بجامعة توهوكو اليابانية، وهو أحد أبرز الباحثين في مجال التصوير العصبي وعلوم الدماغ. بمعنى آخر، هذه ليست دراسة من أكاديمي مغمور، بل من رجل أمضى مسيرته يبحث في كيفية الحفاظ على نشاط الدماغ وتحفيزه.
ماذا وجدت الدراسة بالتحديد؟
خلصت الدراسة إلى ثلاث نقاط جوهرية تُميّز قيادة الغيار اليدوي على مستوى الدماغ.
أولاً: أن القيادة اليدوية تُنشّط القشرة الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التركيز والذاكرة والتخطيط واتخاذ القرارات، وذلك نتيجة التنسيق المتزامن المطلوب بين الضغط على دواسة الكلاتش وتبديل التروس والتحكم في دواسة الوقود ومراقبة الطريق والسيارات المحيطة.
ثانياً: أن القيادة اليدوية تُولّد ما وصفه كاواشيما بـ"توتر مفيد" و"ضغط معرفي إيجابي"، لأن السائق ملزم باتخاذ قرار نشط ومستمر بشأن الترس المناسب لكل موقف بدلاً من ترك هذا القرار للسيارة، وهو ما يُبقي الدماغ في حالة يقظة مستمرة.
ثالثاً: أن تكرار هذا التحفيز يومياً، حتى في الرحلات العادية والروتينية، يُبقي المسارات العصبية نشطة بشكل منتظم، وهو ما قد يكون مفيداً بصفة خاصة للأدمغة في مراحل متقدمة من العمر.
وماذا عن الأوتوماتيك؟
المقارنة هنا ليست في صالح الأوتوماتيك على الإطلاق من منظور الدراسة. فعند قيادة سيارة أوتوماتيك، تتولى السيارة بنفسها اتخاذ قرارات تغيير التروس، ما يُقلّص بشكل ملحوظ عدد المهام المتزامنة المطلوبة من السائق، ومن ثَمّ يقل الحِمل المعرفي على الدماغ. والقشرة الأمامية التي تُضاء وتنشط في السيارة اليدوية، تبقى في حالة أقرب إلى الهدوء أو "النوم الخفيف" كما وصفتها عدة مصادر نقلت نتائج الدراسة.
لكن انتبه: الدراسة لا تقول ما يقوله كثيرون عنها
من المهم قراءة نتائج الدراسة بدقة قبل الخروج باستنتاجات مبالغ فيها. فكاواشيما نفسه ومعهده لم يدّعيا أن قيادة الغيار اليدوي تمنع الخرف أو تُعالجه أو تعوّض أسلوب حياة صحي متكامل. ما أكدته الدراسة هو أن القيادة اليدوية تُنشّط مناطق معرفية معينة في الدماغ، وأن هذا التحفيز المنتظم قد يكون مفيداً لصحة الدماغ على المدى البعيد، مع الإشارة الصريحة إلى أن صحة الدماغ تتأثر بعوامل كثيرة جداً في نمط الحياة والحالة الصحية العامة. وستحتاج أبحاث أعمق وأطول أمداً لتحديد حجم هذه الفائدة ومدى استدامتها في الواقع العملي.
الغيار اليدوي يحتضر.. بينما العلم يدافع عنه
الطريف في توقيت هذه الدراسة أنها تأتي في وقت تتراجع فيه نسبة السيارات ذات الغيار اليدوي إلى مستويات تاريخية متدنية في معظم أسواق العالم. ففي اليابان نفسها، البلد الذي أجريت فيه الدراسة، لا تتعدى السيارات اليدوية 1 إلى 2% من مجمل مبيعات السيارات الجديدة، ومعظم الأمثلة الباقية موجودة في شاحنات الكي الصغيرة والشاحنات التجارية لا في السيارات الركاب. أما في الولايات المتحدة فالنسبة أقل من 1%. ومع تسارع التحول نحو السيارات الهجينة والكهربائية التي تعتمد بطبيعتها على الأوتوماتيك أو ناقل الحركة الكهربائي المباشر، يبدو مستقبل الغيار اليدوي ضيقاً بشكل متزايد.
لكن هذه الدراسة تُضيف بُعداً جديداً كلياً للجدل: لم يعد النقاش فقط عن المتعة والشعور بالتحكم والارتباط بالسيارة والتكلفة الأقل، بل أصبح فيه حجة صحية حقيقية قد تستحق أن تُؤخذ بجدية في عصر أصبحت فيه السيارات أكثر ذكاءً واستقلالية على حساب مشاركة السائق.
فهل على شركات السيارات إعادة التفكير في إلغاء اليدوي؟
السؤال الذي تطرحه الدراسة بطريقة غير مباشرة هو: إذا كانت قيادة الغيار اليدوي أكثر متعة وأكثر تفاعلاً وأفضل للدماغ، فهل تتحمل شركات السيارات مسؤولية الحفاظ على هذا الخيار أم أن منطق السوق وحده يكفي؟ لا توجد إجابة سهلة، لكن من الواضح أن معادلة "الأوتوماتيك أفضل دائماً" التي سوّقتها الصناعة لعقود باتت أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.