مرسيدس-بنز تؤكد رسمياً اعتماد محرك M252 المطور مع جيلي الصينية في CLA 220 هايبرد 2026، بقوة 208 حصاناً، في خطوة أشعلت جدلاً واسعاً حول هوية السيارة الألمانية الأصيلة.
طرنك أوتو – لم يكن مجرد إعلان تقني عادي عن مواصفات سيارة جديدة. حين أكدت مرسيدس-بنز رسمياً في ديسمبر 2025 أن طراز CLA 220 هايبرد موديل 2026 يعتمد على محرك طُوّر بالشراكة مع شركة جيلي الصينية ويُصنَّع في الصين، انفجرت ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي في أوروبا وأمريكا، وطُرح سؤال كان محل جدل في كواليس الصناعة منذ سنوات: هل لا تزال مرسيدس سيارة ألمانية بالمعنى الكامل؟
ما القصة الكاملة وراء هذا المحرك؟
المحرك الجديد يحمل الكود M252، ويُعدّ جزءاً من عائلة محركات FAME (Family of Modular Engines) التي طورتها مرسيدس، وهي العائلة ذاتها التي خلفت جيل محركات M270 وM260 السابق. التفاصيل التقنية دقيقة ومهمة: سعة 1.5 لتر، أربع أسطوانات، شاحن توربيني واحد بتصميم مزدوج اللولب Switchable Scroll، يعمل بدورة ميلر التي تُغلق صمامات السحب مبكراً لتقليل الفاقد في الطاقة وتحقيق نسبة ضغط عالية تبلغ 12:1، مع طلاء Nanoslide على جدران الأسطوانات لتقليل الاحتكاك، وعادم مُدمج جزئياً في رأس المحرك لتسريع الوصول إلى درجة التشغيل المثلى.
لكن الجزء الأبرز في القصة يكمن في مكان التصنيع والشريك التنفيذي. المحرك يُصنَّع في الصين عبر شركة HORSE Powertrain، وهي مشروع مشترك بين جيلي ورونو، بينما ترسم مرسيدس المواصفات الهندسية وتضع معايير الجودة وتتولى التكامل مع باقي منظومة السيارة. وهو ترتيب وصفه المهندسون باختصار: التصميم ألماني، التصنيع صيني.
كيف يعمل النظام الهجين بالتفصيل؟
نظام الهجين الخفيف 48 فولت في CLA الجديدة ليس مجرد دعم بسيط للمحرك كما هو الحال في كثير من أنظمة الهجين الخفيف التقليدية، بل هو نظام أكثر تكاملاً. المحرك الكهربائي بقوة 22 كيلوواط (30 حصاناً) مُدمج مباشرة داخل ناقل الحركة المزدوج القابض من 8 سرعات (8F-eDCT)، لا خارجه عبر حزام كما في الأنظمة التقليدية، وهو ما يعني استجابة أسرع وكفاءة أعلى في نقل الطاقة. البطارية سعتها 1.3 كيلوواط/ساعة، وتسمح للسيارة بالسير كهربائياً بحتاً عند الحاجة لطاقة لا تتجاوز 27 حصاناً، وبسرعة تصل إلى 100 كيلومتر في الساعة. أما قدرة استرداد الطاقة فتبلغ 25 كيلوواط عبر الثماني سرعات كلها، وهو رقم يفوق كثيراً ما تحققه أنظمة الهجين الخفيف المنافسة.
على صعيد القوة الإجمالية، تُنتج CLA 180 نسخة 136 حصاناً بعزم 200 نيوتن متر مع 30 حصاناً إضافية من الكهرباء، بينما ترتفع في CLA 220 إلى 188 حصاناً من البنزين تنضاف إليها طاقة المحرك الكهربائي لتبلغ القوة الإجمالية 208 حصاناً بعزم دوران يبلغ 380 نيوتن متر، مع توفر خيار الدفع الرباعي في كلا الطرازين. وتلتزم السيارة بمعايير يورو 7 للانبعاثات المقررة للتطبيق عام 2026.
لماذا جيلي تحديداً؟ وما دور رينو في القصة؟
الشراكة بين مرسيدس وجيلي ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى السنوات الماضية حين استثمرت جيلي في دايملر وأصبحت مساهماً مرجعياً فيها. وحين أعادت دايملر تسمية نفسها مرسيدس-بنز جروب، احتفظت جيلي بحصتها وتوسّعت علاقتها التقنية مع الشركة الألمانية. أما شركة HORSE التي تتولى تصنيع المحرك، فهي المشروع المشترك الذي أسسته جيلي ورينو عام 2023 لتطوير وتصنيع محركات الاحتراق الداخلي والأنظمة الهجينة للأسواق التي لا تزال تحتاج إليها، وهو ما يُفسّر انتقال مرسيدس إليها بعد أن كانت تعتمد على محركات رينو في الجيل السابق من CLA وA-Class.
الجدل: ألمانية الشكل.. صينية الجوهر؟
ردود الفعل على السوشيال ميديا الأوروبية كانت صاخبة، وتراوحت بين الانتقاد الحاد والدفاع المبرر. المنتقدون رأوا أن الاعتماد على محرك يُصنَّع في الصين بشراكة صينية يمسّ هوية العلامة التي بنت شهرتها على الهندسة الألمانية الصرفة، خصوصاً أن CLA هي نقطة الدخول الأولى لعلامة النجمة الثلاثية لدى شريحة واسعة من العملاء. المدافعون بالمقابل أشاروا إلى أن المواصفات ألمانية والتكامل ألماني، وأن التصنيع الصيني ليس مرادفاً لجودة أدنى في عصر العولمة، فضلاً عن أن فولكس فاجن وبي إم دبليو وغيرهما يُنتجون ملايين السيارات في الصين منذ عقود دون أن يُشكّك أحد في هويتهم.
ما يُضيف للجدل أن مرسيدس لم تُعلن بشكل استباقي عن هذه الشراكة في إطلاق CLA الأولي في مارس 2025، بل اكتفت بالإشارة العامة إلى محرك 1.5 لتر هجين، قبل أن تتكشّف التفاصيل في ديسمبر 2025، وهو توقيت رأى فيه بعض المراقبين تعمداً في إدارة التسلسل الإعلامي لتجنب ردود فعل أوسع.
ماذا يعني هذا لمستقبل السيارات الألمانية؟
قصة CLA وجيلي ليست استثناءً بل نموذج لما تتجه إليه صناعة السيارات الأوروبية في ظل الضغوط التنافسية والمالية. التكاليف الباهظة لتطوير محركات الاحتراق الداخلي في وقت تتجه فيه الصناعة نحو الكهرباء تجعل الشراكات كهذه منطقية اقتصادياً. لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلاً أعمق: في عالم تتشابك فيه سلاسل التوريد وتتداخل الملكيات عبر القارات، هل لا تزال العلامة التجارية وحدها كافية لتعريف هوية سيارة ما؟