فولكس فاجن تدرس خفض 100 ألف وظيفة وإغلاق مصانع هانوفر وتسفيكاو وإيمدن ونيكارزولم، مع تقسيم العلامة الأساسية إلى شركة مستقلة، وسط رفض شديد من العمال والنقابات.
طرنك أوتو – كشف تقرير صحفي ألماني موثوق أن مجموعة فولكس فاجن، أكبر مُصنّع سيارات في أوروبا، تدرس خطة إعادة هيكلة تتجاوز بكثير كل ما أُعلن عنه سابقاً، تشمل خفض ما يصل إلى 100 ألف وظيفة حول العالم وإغلاق أربعة مصانع في ألمانيا، إضافة إلى تقسيم العلامة التجارية الأساسية فولكس فاجن إلى شركة مستقلة عن المجموعة. التقرير الذي نشرته مجلة مانجر ماجازين الألمانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، يستند إلى مصادر مطّلعة على عرض استراتيجي قدّمه الرئيس التنفيذي أوليفر بلومه لكبار المسؤولين التنفيذيين في اجتماع لمجلس الإدارة عُقد الأربعاء الماضي.
من 50 ألفاً إلى 100 ألف.. تضاعف غير متوقع
كانت فولكس فاجن قد أعلنت بالفعل عن خطة لخفض 50 ألف وظيفة في ألمانيا عبر العلامة الأساسية وأودي وبورش وذراعها البرمجية كارياد، على أن تُنفّذ بحلول نهاية العقد. لكن الرقم الجديد المُسرَّب يُضاعف هذا الحجم بالكامل، ليصل إلى 100 ألف وظيفة من إجمالي قوة عاملة تبلغ نحو 657 ألف موظف حول العالم، أي ما يعادل 15% من القوى العاملة الكلية للمجموعة. ولم يتضح بعد إذا كانت هذه التخفيضات ستُنفَّذ بالكامل بحلول 2030 أم ستمتد إلى ما بعد ذلك، خصوصاً أن فولكس فاجن لديها اتفاقيات أمان وظيفي سارية حتى نهاية 2030، بينما تمتد اتفاقية أودي المماثلة حتى نهاية 2033.
أربعة مصانع مهددة بالإغلاق التام
يحدد التقرير أربعة مواقع إنتاج بعينها مرشحة للإغلاق على المدى المتوسط: مصنع تسفيكاو الذي يُصنّع طرازات ID.3 و ID.4 ونسخة ID.5 المرشحة للتوقف، إضافة إلى أودي Q4 e-tron وكوبرا بورن. ومصنع إيمدن المسؤول عن تجميع ID.4 و ID.7 ونسخة ID.7 تورر. ومصنع هانوفر الذي يضم المقر الرئيسي لقسم المركبات التجارية في فولكس فاجن، ويُصنّع فان ID Buzz الكهربائي بجانب طرازات الترانسبورتر والمالتيفان. وأخيراً مصنع نيكارزولم التابع لأودي، الذي يُصنّع طرازات A5 و A6 و A8 ونسخة e-tron GT الكهربائية، مع ملاحظة أن طراز A8 الرائد سيتوقف عن الإنتاج هذا العام قبل أن تتعهد أودي بطراز رائد جديد يحل محله في وقت لاحق من العقد.
بحسب التقرير، فإن المصانع الأربعة توظف مجتمعة نحو 40 ألف عامل، ولديها قدرة إنتاجية إجمالية تبلغ نحو 750 ألف سيارة سنوياً. ولن يتوقف الإنتاج في هذه المواقع فوراً، بل سيستمر حتى انتهاء دورة حياة الطرازات الحالية المُصنَّعة فيها، على أن تُلغى الطرازات الخلف أو تنتقل إلى مواقع تصنيع أقل تكلفة في الخارج. وكانت فولكس فاجن قد حددت هذه المصانع الأربعة بالذات كمرشحة للإغلاق منذ اجتماع لمجلس الإدارة في أبريل الماضي، بسبب تكاليفها المرتفعة نسبياً مقارنة بمواقع أخرى.
تفكيك الهيكل التقليدي للمجموعة
لا يقتصر التحول المقترح على التوظيف والمصانع فقط، بل يمتد إلى صميم البنية المؤسسية للشركة. يسعى بلومه، بالتعاون مع المدير المالي أرنو أنتليتز، إلى إعادة هيكلة شاملة للمجموعة التي يبلغ عمرها 89 عاماً، تشمل فصل العلامة الأساسية فولكس فاجن وقسم تصنيع المكوّنات عن بنية المجموعة الحالية، وتحويلهما إلى كيانين مستقلين، في خطوة قد تمهّد لاحقاً لطرح كل منهما بشكل منفصل في البورصة. وتشمل الخطة أيضاً خفض الاستثمارات المخطط لها بنسبة تقارب 15%، إلى ما يزيد قليلاً عن 130 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 148 مليار دولار، على مدار الخمس سنوات المقبلة.
رفض قاطع من العمال والنقابات وولاية ساكسونيا السفلى
لم تتأخر ردود الفعل الغاضبة. أصدر مجلس عمال فولكس فاجن ونقابة آي جي ميتال المؤثرة، التي تُمثّل عمال الصناعة في ألمانيا، بياناً مشتركاً أكدا فيه أنهما سيفعلان كل ما بوسعهما لمنع تنفيذ هذه الخطط في حال المضي بها. كما رفض رئيس ولاية ساكسونيا السفلى، التي تُعد ثاني أكبر مساهم في فولكس فاجن، الخطة المقترحة، مؤكداً أن الولاية لن تدعمها. وفي المقابل، رفضت شركة بورش إس إي، شركة الاستثمار التي تسيطر عليها عائلتا بورش وبيش وتُعد أكبر مساهم في فولكس فاجن، التعليق على التقرير.
من جانبها، رفضت فولكس فاجن التعليق المباشر على ما وصفته بـ "وثائق داخلية سرّية"، لكنها لم تنفِ التقرير بشكل قاطع، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على احتمال وجود صحة فيه. واكتفى متحدث باسم الشركة بالقول إن المجموعة بأكملها، بما فيها علاماتها وشركاتها التابعة، يجب أن تخضع لتغيير جذري وشامل.
إذا تحققت.. ستكون الأكبر في تاريخ الصناعة الحديثة
في حال نُفّذت هذه الخطة بكامل بنودها، فإنها ستتجاوز في حجمها كل عمليات إعادة الهيكلة السابقة في صناعة السيارات العالمية، بما في ذلك إعادة هيكلة جنرال موتورز أثناء إفلاسها عام 2009 وما قبله، وحتى تقليصاتها في أوائل التسعينيات حين ألغت الشركة الأمريكية ما يصل إلى 74 ألف وظيفة على مدار أربع سنوات وأغلقت أو جمّدت 21 مصنعاً.
تأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه الضغوط على فولكس فاجن من المنافسة الصينية المتسارعة، خصوصاً في قطاع السيارات الكهربائية، إلى جانب قرارات سابقة بنقل إنتاج طرازها الأيقوني جولف من مصنعها التاريخي في فولفسبورج إلى مدينة بويبلا في المكسيك بدءاً من عام 2027، وإغلاق مصنع درسدن الذي كان يُصنّع فايتون ثم آي دي 3 لاحقاً، إضافة إلى إغلاق مصنع أودي في بروكسل الذي كان يُصنّع Q8 e-tron ونسخته الرياضية.
السؤال المعلّق: هل يمكن تنفيذ هذا قانونياً؟
يبقى التساؤل الأكبر متعلقاً بالجانب القانوني، حيث لا يزال غير واضح كيف يمكن تنفيذ تخفيض بهذا الحجم في ظل قوانين العمل الألمانية واتفاقيات المفاوضة الجماعية القائمة. فاتفاقية الأمان الوظيفي التي وقّعتها فولكس فاجن مع النقابات أواخر 2024 تستثني الإغلاق القسري للمصانع وتمنع التسريح الإلزامي حتى نهاية 2030، وهو ما يعني أن أي تنفيذ فعلي لهذه الخطة سيحتاج إلى مفاوضات شاقة ومعقدة مع الأطراف المعنية كافة، وسط معارضة يبدو أنها ستكون شرسة من جانب النقابات والولاية الداعمة للشركة.